نخبة من الأكاديميين
836
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
والتوازن الأرضي . وهؤلاء العلماء هم محمد ابن الحاسب الكرخي وأبو الريحان البيروني وأبو علي الحسين ابن سينا ( « 1 » ) . 1 - محمد ابن الحسن ابن الحاسب الكرخي ( « 2 » ) : معلوماتنا عن هذا العالم قليلة فقد عاش في القرن الخامس الهجري ويهمنا من أعماله هنا كتابه « إنباط المياه الخفية » الذي نشرت طبعته الأولى في الهند سنة 359 ه - والذي تكلم فيه عن كيفية استخراج المياه الجوفية والعلامات الدالة على وجود الماء والأجهزة الهندسية المستخدمة في بناء القنوات وما إلى ذلك . وقد قدم لكتابه بمقدمة قيمة عن صفة الأرض ، هي التي تهمنا في هذا المجال ؛ يقول : « إن في الأرض حركات دائمة ، منها طلب الأبنية للوقوع والانهدام والميل عن سمت الاستقامة ، وكذلك الجبال والتلاع تنهار قليلًا قليلا ، وتتفتت طلباً للمركز . والأرض الرخوة في ترتبها حركة دائمة ، وهي طلب أجزائها الصلابة باعتماد بعضها على بعض . وأعظم هذه الحركات المذكورة انتقال المياه العظيمة وجريان الأودية القوية من أرض إلى أرض في الأزمنة الطويلة ، فإذا اجتمعت موادها في ناحية من نواحيها ، وارتفعت حتى بعد سطحها من المركز ، وساوى ذلك بعد الموضع المحاذي له الذي يقابله ، ثم بعد المساواة زاد عليه ، تحركت الأرض طلباً للمعادلة المذكورة ، لتتغير بذلك عروض البلاد ومطالعها وأنصاف نهارها ، ويعتبر ذلك سبب انتقال البحار ، وظهور عيون وغيض عيون . ولا يكون ذلك دفعة واحدة في ساعة واحدة ، بل يكون على التدريج كانتقال العمارات من أرض إلى أرض . ويجوز على مذهب من جعل سبب الخراب في الجنوب مسامتة حضيض الشمس له ، وأن انتقال العمارة الشمالية إلى ناحية الجنوب يكون بانتقال الأوج إلى مسامتتها ، وذلك يكون في ثمانية عشر ألف سنة ، وهو الزمان الذي ينتقل فيه الأوج إلى موضع الحضيض على مذهب بطليموس لأن مسيره في كل مائة سنة درجة واحدة والله أعلم بذلك ( « 3 » ) . ويلاحظ أن الكرخي بين في نصه السابق بوضوح تام فكرة التوازن الأرضي Isostasy التي لم تعد مجرد نظرية قد يشك في صحتها ، بل أصبحت ظاهرة حقيقية استطاع العلماء أن يسجلوها في كثير من جهات العالم . فقد أشار الكرخي إلى الدورة التضاريسية التي تنتهي عند اكتمالها بما يعرف بشبه السهل Penpeplane ثم تتلوها عملية إعادة التوازن الأرضي ( Isostatic readjusterment ) فتبعث التضاريس من جديد لتبدأ دورة تضاريسية أخرى ( « 4 » ( . 2 - أبو الريحان البيروني ( « 5 » ) . : جمع البيروني بين أطراف الفكر الجغرافي نتيجة سعة اطلاعه وإتقانه لعدد من اللغات كاليونانية والسريانية والفارسية والعربية والسنسكريتية ، وتتفوق آراؤه في الجغرافيا الطبيعية على آراء كثير من الجغرافيين العرب الذين كتبوا في هذا المجال . وقد درس البيروني آراء السابقين حول فكرة تبادل اليابس والماء وحاول أن يربط بين المعرفة النظرية والعملية ، ويتجلى ذلك في ما كتبه في مقدمة كتابه
--> ( 1 ) هناك عدد آخر من العلماء الذين كتبوا في هذا الموضوع ، غير أننا قد ركزنا على أولئك الذين قدموا إضافة جديدة في مجال البحث . ومن أمثلة ذلك النصوص التي أوردها الوليد ابن رشد وهي لا تتضمن مادة جديدة ، انظر « الوليد ابن رشد : كتاب الآثار العلوية » تحقيق سهير فضل الله أبو عافية وسعاد علي عبد الرزاق ، المجلس الأعلى للثقافة ، القاهرة 1994 م ، ص 31 وما بعدها . ( 2 ) أثبتنا هنا التسمية التي وردت في مطبوعة « إنباط المياه الخفية » الصادرة في الهند عام 1359 ه - ، وقد ثار جدل حول اسم « الكرخي » وأنه « الكرجي » بالجيم ، فرجع عدد من الباحثين أنه الكَرَجي ، نسبة إلى بلدة بين أصبهان وهمذان ، وقد نشر كتاب إنباط المياه الخفية مرة أخرى بتحقيق بغداد عبد المنعم ، من مطبوعات معهد المخطوطات العربية ( القاهرة 1997 م ) ، وأثبتت المحققة اسم « الكرجي » بالجيم . وقد عاش الكرخي أو الكرجي في فترة السيطرة البويهية التي امتدت بين سنتي 334 - 447 ه - / 945 - 1055 م . ولا تذكر المصادر سنة ميلاد الكرجي أو الكرخي أو سنة وفاته ، وإن كانت بعض المصادر ترجح سنة وفاته بعد عام 406 ه - . وقد أنتج الكرخي أعماله الرياضية في بغداد . أما كتاب « إنباط المياه الخفية » فقد وضعه وهو في إقليم الجبل . ومن كتبه المهمة في الرياضيات كتاب « الكافي في الحساب » الذي صدر عن معهد التراث العلمي العربي بجامعة حلب ( 1986 م ) بتحقيق الدكتور سامي شلهوب . وفي مقدمة المحقق تفصيل جيد عن مسألة الاسم « الكرخي » أو « الكرجي » وقد رجح الأخيرة ، كما ذكر المحقق أهم الكتب المنسوبة إليه . ( 3 ) الكرخي ، أبو بكر محمد بن الحسن الحاسب : إنباط المياه الخفية ، مطبعة دار المعارف العثمانية ، حيدر آباد ، الهند 1359 ه - ، ص 9 . ( 4 ) ( 19 ) ) Holmes , A . ( 1959 ) : Principles of Physical Geogaphy . London . P . 32 . ( 5 ) ولد أبو الريحان محمد بن أحمد البيروني عام 362 ه - / 973 م في مدينة كاث التابعة لجمهورية أوزبكستان ، وقد ابتدأ حياته العلمية في خوارزم وأتقن عدة لغات . وقد انتقل في عام 385 ه - إلى جرجان حيث عاش فيها 15 سنة وكتب فيها أول مؤلفاته الكبيرة وهو كتاب « الآثار الباقية عن القرون الخالية » ثم عاد إلى وطنه خوارزم حيث مكث بها إلى عام 408 ه - حين غزت جيوش محمود الغزنوي خوارزم ، فاضطر البيروني إلى الانتقال إلى غزنة عاصمة الدولة الغزنوية الجديدة التي أصبحت مقره الأخير ، وفيها كتب كتابه الكبير « في تحقيق ما للهند من مقولة » وقد توفي البيروني بغزنة عام 440 ه - / 1048 م .